|
... بما انو جوزف صقر
بول أشقر
ما كان جوزف ليحب أن نتحدث عنه دون أن يشمل الحديث زياد الرحباني و
للحقيقة, فالمهمة أساساً شبه مستحيلة.
منذ حوالي ربع قرن, لاحظ زياد الصوت الدافئ لهذا العامل في مسرح
الأخوين رحباني, فحاول التقرب منه. و لم يذكر التاريخ ممانعة تذكر من
جانب جوزف لتقرب هذا الشاب الذي لم يكن لديه بعد " اسم", والذي يصغره
بدزينة سنوات.
و كان أن مثل جوزف في مسرحيات زياد كافة, و غنى معظم نتاجه الغنائي
المشتق عادة من مسرحه. و خلق زياد لجوزف شخصيات تمت جميعها بصلة إلى
النموذج الأصلي الطيب: نخلة التنين الذي يريد إبعاد الأصوات الجميلة عن
قهوته, و لكنه لا يصمد أمام أول ارتعاشات قلب ابنته في "سهرية", و
بركات, مطرب "نزل السرور" المتأقلم مع مختلف الظروف و رامز, بائع
الخضار لبار "بالنسبة لبكرا شو؟" الجامع بين روح النكتة الريفية و حب
مساعدة الأصدقاء, و أبو ليلى, حشاش "فيلم أمريكي طويل", المداعب
المحترف, و المدافع عن زملائه, و المختار في "شى فاشل", الساخرة من
بنية الأوبرا الرحبانية, الذي يسعى للبروز و إرضاء الجميع في نفس الوقت,
و حتى في مسرحيتي زياد الأخيرتين اللتين يصح وصفهما ب"الأنتي ملحمة", "بخصوص
الكرامة و الشعب العنيد" و "لولا فسحة الأمل", لم ينجح جوزف, بعد
انقطاع عقد من الزمن, في أن يكون شريراً بقدر ما كان الصراف يفترض,
فالرقة و الحنان و العفوية و السخرية الطيبة, جميعها تعابير كانت تصنع
شخصية جوزف و تغذيها. و كانت أقوى منه عندما غنى البوسطة, لم يكن يعرف
أن تلك الحافلة لن تتوقف, و عندما طالت الحرب ارتحل بصوته إلى الأردن.
ثم عاد, و كان المشهد السمعي البصري عند عودته قد انقلب رأساً على عقب,
لكنه استمر هو نفسه جوزف صقر. لم يرد التحول نجماً كبيراً, ابتعد عن
الناس و الأصدقاء, و أقل من الجلوس في ساحة قرطبا. كان مستعداً أبداً
للمشاركة في أى مشروع يشارك فيه زياد. كان ينتظره و يتشوق لاستئناف
المسيرة فقد عرف جوزف أن رفقة زياد أكثر عمقا ًمن كل كليبات الضجيج
السائدة. و لما صدر لهم أخيراً, عام 1995 "بما انو" بانت مواهب جديدة
لجوزف, تكشف غنى طاقاته و طواعية صوته و جمال نبرته, و مع كل ذلك,
تواضعه النبيل, كان قلقاً من ألا يجاري غناؤه إبداعات صديقه, إن في نغم
" البوسا نوفا" البرازيلي في أغنية "قلتيلي", أو في "الدوخة العجيبة"
التي تحدثها أغنية "تلفن عياش" الرائعة. غير أن النتيجة ماثلة لمن يريد
اكتشافها: سي-دي (cd) "بما انو" و فيه أيضاً مجموعة صور لجوزيف و زياد,
يضحكان فيها أخر حدود الضحك, و هذه الصورة أمينة: فعندما كانا يلتقيان,
كانا يضحكان بداية, و عند إنتهاء الضحك, يعملان قبلة على جبينك أيها
المحارب القديم, و كثير من الشجلعة لجميع الذين كانوا و مازالوا بحاجة
إليك بما انو جوزف صقر توفى ليلة عيد رأس السنة, أقول للذين كانوا
يشكون بعد: هل اقتنعتم الأن بتفاهة هذا العيد؟
|