|
Page -2-
عبيدو باشا:
مات وهو يغني
بدا جوزف صقر منذ البداية ابن جماعة فنية (الإشبين) بالجماعة الدينية.
لم ينتبه اليه الكثيرون وهو ينشد بين العشرات في كورال الرحابنة.
انتبهوا الى وجه بين الوجوه. ولأنه بين الوجوه لم ينتبهوا اليه كثيراً
كما لم يتأمّلوه البتة، غير انه حجز مكانا في الكورال وهذا ليس سهلا،
ذلك ان حجز مطرح في وسط مجموعة، هو أصعب بكثير من الاستمرار على قمة
انجاز فردي. الأصدقاء وحدهم يعرفون ان غناء جوزف صقر هو نطقه. رجلٌ اذا
نطق غنّى، وكلما غنّى بدا وكأنه لم يغنِّ. حين أقام حفلة في “سهرية”
أولى مسرحيات زياد الرحباني، خاف من حكم الغناء من دون تلقي هذه الحكم.
طلعت حكمة الغناء كالعادة التي تقضي بموازاة وتقييم الدلائل. حفر هذا
أثرا عميقا فيه وفي سامعيه، وهو يرطن بجمل زياد الرحباني وميلودياتها
النطناطة في روح شرقية لامعة. ولو ان دوره في سهرية كدور القائد الذي
أراد أن يدرّب، فقدم حياته كمادة للتدريب.
ترك صقر نفسه فوق رقعة شطرنج رحبانية، في مقاسات غير مقاسات الرقع
العادية، لينتقل من الرحابنة الآباء الى أحد الأولاد والذي يقيم جزيرة
صغرى أقرب الى الجزيرة الرحبانية الكبرى، محتكّاً بها من منظور خفي
ومنظور تظاهري مضاد. لم يتطرّف هنا ولم يتطرف هناك. بقي طيّبا طيبة
القروي الذي غادر قريته ولم يغادرها.
دوره في “بالنسبة لبكرا شو” لا يحتاج الى مكافأة أداء عليه، لأن دوره
هو، وهو دوره. لم يؤد، اذ قدّم نفسه في “بالنسبة لبكرا شو” وفي
المسرحيات التي تلتها. لم يفض اي نقاش، لذا لم يخضع لأية تسوية ولم
يُخضع الآخرين. دأبه ان يأخذوا بيده، ان يمنحوه مادة حياته وإلا صمت.
صمته موت آخر، بيد انه ليس أجمل من موته وهو يغني. لأن جوزف صقر امتلك
في تعاملاته الحذرة وغير الحذرة مع فنانيه الأصدقاء ميزة لم يمتلكها
الكثيرون: الأداء. تلك الصفة التي توفرت لجوزف لم تتوفر لكبار المطربين
والمطربات. حاول زياد الرحباني ان يميل بغناء فيروز الى الأداء، في حين
حاز صوت جوزف ذلك من دون مجهود كبير ولا عنف على الصوت. الأغنيات التي
أدّتها فيروز بعد ان أداها جوزف هي المثال. أغنية “البوسطة” خسرت كثيرا
حين أدتها فيروز مفاتيح الأداء، تلك التي تقود الى المسرحة: احساسه
قاده الى تطويب الصوت كمساحة أداء جملية، تعطي الكلمات معانيها بدل ان
تذيبها في نظام “العُرب” والطرب والتشريق.
كأن صوته آلة صور عريضة للحرمان والظلم. ولأنه لم يملك الا صوته، آلته
النبيلة، فقد اتفق وهجاء زياد الرحباني الذي هجا منذ ما قبل ولادته كل
شيء. غير انه اتفق والهجاء منذ رفع كأسه الأول في حياته الأولى، رافعا
سطر زجله الأول في قراديته الأولى. هذا سلاحه الدبلوماسي في وجه السلطة
السياسية والطغمة الاقتصادية وبشائر ما بعد الحداثة التي لم تعنه لا هي
ولا أختها في شيء. صوته ظفره وطبقاته أظافره وهو لم يقلم أظافر ولم
يقطع رأس قطة. حسب ان الدنيا ملهاة، ولأنها ملهاة نسي انه صاحب سبع
أرواح في مسرحية زياد الرحباني الأخيرة لذا اكتفى بالروح الميتة التي
ماتت ومات.
لا يزال جوزف صقر في غيابه صوت دونكيشوت. لا يزال يحلم ان بالوسع حسم
الصراع بين الآباء والورثة في مباراة هجاء وضحك مبلبلتين. صوته المتروك
في أشرطة التسجيل يدعو الى الانقلاب على مفاهيم حرب الغلبة: انا حياة
واحدة، قال حين التقيته في المرة الأخيرة، قبل ان يموت. عندها بصم لمرة
جديدة في سجلات البني آدميين، روحاً وحياة وتاريخاً عن سجلات القطط
الآكلة المدينة.
رفيق نجم:
الله كان يحبه
عرفت صوته قبل ان أعرفه. هذا الصوت! كنت أسأل نفسي اين سمعته من قبل؟
انه أليف، بل مألوف، لا تدري من أين تعرفه، ولكنك تعرفه منذ زمن
بالتأكيد.
تدخل في نفسك، تتصفّح ذاكرتك وتفتّش، تسمعه هناك، هو هو صوته وليس
غيره، هناك في الداخل (أم هو الخارج هناك؟) تتبع صداه الى أعلى ما
تستطيع من الغوص، ولا تصل. فتقف على شرفة ذاكرتك منصتا فتسمعه هناك
أيضا. هناك، حيث يعيرون الذرة بكثافتها. كيف يستطيع هذا الصوت الجهوري
الصافي القوي، ان يخترق ويصل؟ ولأنك غزير الخيال، تفكّر للحظة، هل هو
الله كان يحب ان يسمع جوزف صقر من خلالنا فتفتحت لصوته الأبواب ليصل
حتى بحر الألفة. “لا تبالغ” يقول لك تواضعه الذي يمثل أمامك فجأة.
فتكبح خيالك وترجع. ان غنّى او حكى لا يهم، هو صوته، هذا العميق العتيق
الأليف المتغلغل... هو سرّه.
حين تتعرف اليه ترى رجلاً نحيلاً رقيقا وديعا راضيا. جسده، أذكر الآن،
كأنه كان مستورا، فلا ملامح، وكأن روحا تقطن هذه الثياب. استعرت سيارته
مرة، فجاءني في اليوم التالي وشكرني، لأن سيارته صارت أفضل حالا “زبّطت
الهارموني فيها” بعد قيادتي لها. وكان غالبا ما يطلب مني ان أقودها،
فنذهب معا في نزهات شبه صامتة على الطرقات الجميلة. لقد كان روحا
شفافة، سريعة الخدش! وربما لأنه كان هكذا، لم تستطع عروقه الشفافة ان
تستوعب دمها، فنَزف... ورحل عن هذا التراب... وبقي صوته في أعماقنا
لغزاً.
عمر ميقاتي:
يكره العصبيات
لقائي مع جوزف صقر كان خلال عملين مسرحيين متتاليين “بخصوص الكرامة
والشعب العنيد” و”لولا فسحة الأمل” لزياد الرحباني. وخلال عملنا معا
لامست أخلاقه الهادئة، كان قليل الكلام واذا تكلم اتت كلمته معبّرة.
لهذا الفنان خصوصية، ولأدائه نكهة خاصة لا تلامس التطريب فقط بل
الوجدان والعقل. ترافق مع زياد وانطبع بطبعه. هو ممثل ذو كاريكاتير
هادئ حتى في ثورته على المسرح، يغني وكأنه لا يغني ويمثل وكأنه لا
يمثل.
بطرس فرح:
رفيق درب
ماذا أقول عن جوزف؟ هو رفيق درب وعشرة عمر. كان انسانا لطيفا ومهذباً.
أدين لزياد الرحباني في تعرفي اليه. التقينا لأول مرة في مسرحية “نزل
السرور”، كنت قبلها أعرفه من بعيد. صوت جوزيف يشبه رائحة الطبيعة عند
اول “شتوة” تأتي بعد صيف حار وجاف. صوته صاف وهادر وكما يقال “بيطلع
صوتو من حشيشة قلبو”.
ما يميز جوزف انه يغني اللون الذي يحبه وليس كل ما مفروض عليه. وهذا ما
أدركه زياد اذ قدّم له اللون الذي يحبه و”بيركب معون” وأدرك المعادلة
وهي ان جوزف يبدع عندما يحب ما يؤديه.
جوزف الممثل يتميّز بالعفوية، وهو استاذ في هذا المجال ويمثل قدوة لكل
من يهوى التمثيل.
مثلما أعطى زياد جوزف كذلك اعطى جوزف زياد، كان العطاء متبادلا، كما
المحبة متبادلة.
رحيل جوزف أثّر بالتأكيد على مسرح زياد، وعلى المسرح ككل. الأكيد ان
رحيل جوزف ترك فراغا كبيرا.
منى سعيدون:
دنيا أخرى
جوزف، أعرفك منذ زمن بعيد، ولكن لم أفكّر يوماً بالكتابة اليك. ست
سنوات مضت على سفرك، ست سنوات لم أرك فيها، لم نجلس معا نتسامر ونضحك
كما كنا نفعل “أيام زمان”.
بيت عمّتك في القنطاري، لا يزال في مكانه، ولكن انت لا. بهتت ألوانه،
وتغيّر سكّانه. أصبح المرور قربه موحشاً. هل تذكر اولاد الحي الذين
كانوا يصرخون فرحا عندما “تعود الكهرباء”؟ أتذكر الشمعة التي كادت تحرق
منزل عمتك فيما نحن عنها ساهون؟ أتذكر الفوتبول الذي كسر زجاج نافذة
الجيران الذي لم تقو قذائف تلك الأيام عليه، ولا على فرحنا الذي كنا
نتقاسمه في سهراتنا مع جومانا وتوفيق على فرش البيت العتيق؟ بيت عمتك
سافر معك عندما سافرت.
أول مرة التقيتك يا “أبو ليلى” كنت ممرضةً أعطيك حبة الدواء الزرقاء.
كان “زمان الطائفية” المعشش في البلد، وبرغم ذلك نظمنا لك ولزملائك في
المصحّ رحلة الى جسر القاضي، حيث كنتم “تسعة منافخ رايحين يموهوا ع
الجسر”. وبرغم كل ما كان يدور حولنا، كنا نعيش في دنيا أخرى. “الفيلم
الأميركي الطويل” لم ينته بعد، و”ما تفكرها عم بتقدم لأنها راجعة على
أنحس بإذن الأميركان”.
لشدة شوقي اليك صعدت الصيف الماضي الى “قرطبا”، قريتك، التي لم اجرؤ
على وداعك فيها يوم سافرت. وكم كانت مفاجأتي كبيرة عندما وجدتك هناك.
ولداك راجي وزينة - بكاردي، وزوجتك وأخوتك والعائلة كلها، كانوا
مجتمعين في المنزل، وكنت معهم. كنا جالسين على المصطبة، شكلنا حلقة،
وفي الوسط راجي وزينة استعادا السهرية. راجي كان “نخلة التنين”، ختيار
مع طربوش وشعر ابيض، وغنى بصوتك الذي لا يشبه أحدا.
وجدتك يومها، جميعنا وجدناك الى درجة اننا شعرنا بالفرح. كنت معنا وكنا
نرى راجي وزينة يكتشفان خطوة خطوة جوزف صقر أباهم الذي لا يشبه أحدا.
page -1- page -2-
page -3-
|